|
بشارة شربل
خدمتان ضروريتان يجب أن يسديهما إلى اللبنانيين قطبان أساسيان في المعارضة لا يُشق لهما غبار، وهما: الرئيس نبيه بري العائد متوجاً إلى رئاسة المجلس، والجنرال ميشال عون الذي أعلن في آخر اجتماع لـ"تكتل التغيير الإصلاح" وصايته على الشعب اللبناني "الضال".
والرئيس بري يجب ألا يعتب على اصحاب الأوراق البيض أو على زعماء الكتل الذين لا يمسكون أعضاءهم بيدٍ من حديد، فهو "صاحب فضل" في منحهم أسباب رفض ترشيحه على مدى أربع سنين سامَ فيها الديموقراطية أشنع عذاب وضرب على قلبها بالأسداد بإقفاله مجلس النواب.
فليضحك الرئيس بري بعبّه، إذ تغيرت الأيام، وذاك "الزمن الجميل" حين كان يسوس النواب والقوانين بعصا الوصاية بات مُلك المذكرات والذكريات التي لو كَشف عنها الغطاء لدخلنا في نوبات ضحكٍ وبكاء... على أيّ حال، كُن واقعياً يا دولة الرئيس، فليس "عاطلاً" رقم 90 الذي حصلت عليه. هو أدنى من طموحك بالطبع، لكنه فعلياً كرمٌ حاتمي نفحتك إياه الأكثرية. وأنت تعلم، ونحن نعلم، أنه ليس وليد قناعةٍ بأنك أولويتها أو خيارها المفضل لترؤس السلطة التشريعية، بل من أجل المواءمة السياسية والتخفيف من حدّة الانقسام وفتح الباب أمام حكومة وفاق حقيقي، وخصوصاً لخشيتها من تكرار "7 أيار".
تأمَّل معنا يا دولة الرئيس. فبعد التحذيرات المتتالية من مغبة إطلاق رصاص الابتهاج والتذكير بأنّ ثلاثة أبرياء قتلوا في مناسبة انتخابك في 2005، يرِد التالي في وكالات الأنباء: "ابتهاجاً بإعادة انتخاب الرئيس بري أُطلقت في بيروت قذائف صاروخية سقطت إحداها على مدرسة الإرشاد في برج أبي حيدر"، أما الحصيلة فقتيل و16 جريحاً. ثم، أطلب يا دولة الرئيس من أحد مساعديك تزويدك بشريط أخبار التلفزيونات التي غطت عودتك المظفرة إلى "عين التينة" لترى رجال الأمن يهتفون بحياتك وبالروح والدم ويرقصون مع بنادقهم احتفاء بـ "التمديد" الجديد.
من أجل ذلك ولفتح صفحة جديدة وتأمين انتخابك فعلاً من أصحاب الورقة البيضاء في المجلس المقبل كما قلت في خطاب التتويج، حان الوقت يا دولة الرئيس لتلغي تنظيمك المسلح بمنتسبيه ومعيّنيه. فهو بشقه الأول صار عبئاً عليك لأنّ لا رسالة له بعد انجاز التحرير وامحاء قراره في سلطة "حزب الله"، ولا سمعة له تزيّن انجازاتك بعد تجربة "7 أيار" والإنفلاش شبه الدائم في الحارات والزواريب. وبالتالي فإنّ وجوده بات متعارضاً مع خطاب الوفاق الذي ألقيته ومع رغبتك المعلنة بـ "تذويب" 8 و14 آذار بالغرام والوئام ومع دورك كعرّاب لتسويةٍ تخرج لبنان من عنق الزجاجة وتقتنص فرصة الجوّ الإيجابي في المنطقة لتعبر بسفينته إلى شاطئ الأمان. أما شقه الثاني، فمخالف للقوانين وأنت المحامي قبل أن تكون نائباً وأستاذاً للنواب. وأنت أدرى بحجم الاختلال، وهل هو فئوي أم حزبي، وبالدور المنوط بجهازٍ رسمي ندفع نحن المكلَّفون أعباءه ورواتبه لينصر الدولة وليس ليفدي بالدم أي زعيمٍ أو فريق سياسي.
أما الجنرال عون، فانسجاماً أيضاً مع الجوّ التوافقي، حبذا لو يأخذ إجازة لبضعة أسابيع، فيريح أعصابه المشدودة على الدوام ويقوم بـ "مراجعة حياة" حسبما يفعل المسيحيون المؤمنون والأتقياء في شكل يومي. فيكفيك نكساتٍ يا جنرال واعترِف بأنّ تحويلك الهزائم إلى انتصارات صار لغةً ممجوجة، وأنّ انتزاع تمثيل المسيحيين بالقوة والأباطيل دحضته الصناديق.
مؤسفٌ فعلاً يا جنرال أن تنصِّب نفسك ولياً على الناس معتبراً أنهم "لا يدرون ماذا يفعلون". فهم عاقبوك على خروجك عن خطابٍ أخذتهم بوَهمه سنواتٍ إلى الموت والرجاء، وخيّبتَ آمالهم حين انقلبتَ على الثوابت والشهداء، وتريد منهم اليوم أن يحملوك على ظهورهم لاستكمال الإنقلاب.
كفى يا جنرال لفظ كلمة "ممنوع". وكفى تهجماً على الصحافيين. فلا أنت رابحٌ في السياسة لتفرض الشروط، ولا سجلّك العسكري يتحدّث عنك. ضباط كثيرون مثلك أصحاب طموحات، فاقرأ سيَرهم في كتب التاريخ وخذ إجازةً لتستريح وتريح! |